صديق الحسيني القنوجي البخاري

339

فتح البيان في مقاصد القرآن

وحجة واضحة على كمال قدرتك وصحة إرسالك من أرسلته وَارْزُقْنا أي أعطنا هذه المائدة المطلوبة بينة ، أو ارزقنا رزقا نستعين به على عبادتك وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ بل لا رازق في الحقيقة غيرك ولا معطي سواك . [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 115 إلى 116 ] قالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ ( 115 ) وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ ( 116 ) فأجاب اللّه سبحانه سؤال عيسى عليه السلام قالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُها أي المائدة عَلَيْكُمْ وقد اختلف أهل العلم هل نزلت عليهم المائدة أم لا فذهب الجمهور إلى الأول وهو الحق لقوله سبحانه : إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ ووعده الحق وهو لا يخلف الميعاد ، وقال مجاهد : ما نزلت وإنما ضرب مثل ضربه اللّه لخلقه نهيا لهم عن مسألة الآيات لأنبيائه . وقال الحسن : وعدهم بالإجابة فلما قال : فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ أي بعد نزولها مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً أي تعذيبا قال الزجاج : يجوز أن يكون هذا العذاب معجلا في الدنيا أو مؤخرا إلى الآخرة لا أُعَذِّبُهُ أي لا أعذب مثل ذلك التعذيب أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ قيل المراد عالمي زمانهم ، وقيل جميع العالمين ، وفي هذا من التهديد والترهيب ما لا يقادر قدره . قيل لما سمعوا هذا الوعيد الشديد خافوا أن يكفر بعضهم فاستعفوا ، وقالوا لا نريدها فلم تنزل وبه قال مجاهد والحسن ، والصحيح الذي عليه جماهير الأمة ومشاهير الأئمة أنها قد نزلت . عن ابن عباس أنه كان يحدث عن عيسى ابن مريم أنه قال لبني إسرائيل : هل لكم أن تصوموا للّه ثلاثين يوما ثم تسألوه فيعطيكم ما سألتم ، فإن أجر العالم على من عمل له ففعلوا ثم قالوا : يا معلم الخير قلت لنا أن أجر العامل على من عمل له ، وأمرتنا أن نصوم ثلاثين يوما ففعلنا ، ولم نكن نعمل لأحد ثلاثين يوما إلا أطعمنا فهل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء إلى قوله أحدا من العالمين ، فأقبلت الملائكة تطير بمائدة من السماء عليها سبعة أحوات وسبعة أرغفة حتى وضعتها بين أيديهم فأكل منها آخر الناس كما أكل منها أولهم . وأخرج الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن عمار بن ياسر قال : قال لهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم : « نزلت المائدة من السماء خبزا ولحما وأمروا أن لا يخونوا ولا يدخروا لغد فخانوا وادخروا ورفعوا لغد فمسخوا